العودة للمقالات
9 سبتمبر 2026 5 دقائق قراءة 25 من ذاكرة الأيام

بيبسي عام 1956… عندما كان «المشروب الخفيف» صورة للحياة العصرية

ر

رنا الجوجري

خبيرة الصورة الشخصية والإتيكيت

بيبسي عام 1956… عندما كان «المشروب الخفيف» صورة للحياة العصرية

امرأة أنيقة تستضيف ضيوفها، زجاجات Pepsi على المائدة، ورسالة تقول: “Serve the modern, the Light refreshment.” في هذا الإعلان من عام 1956، لم تكن Pepsi تقدم مشروبًا غازيًا فقط؛ بل ربطته بصورة كاملة عن المرأة العصرية، والرشاقة، والحفلات، والطعام الأخف، وأسلوب الحياة الحديث. فماذا كان يعني أن تكوني «عصرية» في إعلان كهذا قبل سبعين عامًا؟

محتوى المقال

بيبسي عام 1956… عندما كان «المشروب الخفيف» صورة للحياة العصرية

في النظرة الأولى، تبدو الصورة بسيطة.

امرأة أنيقة تجلس بجوار مائدة، تحمل طبقًا وتبدو وكأنها تستعد لاستقبال ضيوفها.

لكن الإعلان يبدأ برسالة أكبر من المنتج نفسه:

“Serve the modern, the Light refreshment.”

أي:

«قدّمي المشروب العصري الخفيف.»

وفي الأسفل تظهر العبارة:

“Pepsi-Cola refreshes without filling.”

أي تقريبًا:

«بيبسي كولا ينعشكِ دون أن يشعركِ بالامتلاء.»

لم يكن الإعلان يقول فقط: اشربي Pepsi.

كان يقول ضمنيًا:

هذا هو المشروب الذي يناسب الحياة العصرية.


 

ما معنى «العصرية» في هذا الإعلان؟

لفهم الإعلان، علينا ألا ننظر إلى الزجاجة وحدها.

انظري إلى المرأة.

ملابس أنيقة.

تسريحة مصففة بعناية.

جلسة اجتماعية.

مائدة تبدو مستعدة للضيوف.

وحضور يوحي بأنها صاحبة المنزل أو المضيفة.

ثم يأتي النص ليتحدث عن الأشخاص الأكثر حيوية وجاذبية، وعن الحفلات الناجحة، والطعام الأخف.

هكذا جُمعت عدة أفكار في صورة واحدة:

الأناقة + الرشاقة + النشاط + الحياة الاجتماعية + الحداثة.

ثم وُضع المنتج في قلب هذه الصورة.

وهذه واحدة من أهم طرق الإعلان:

لا تبيعي المنتج وحده… اربطيه بالحياة التي يرغب المستهلك في أن يرى نفسه داخلها.


 

لماذا كانت كلمة Light مهمة؟

خلال هذه الفترة، بنت Pepsi جانبًا من رسالتها الإعلانية حول فكرة “The Light Refreshment”.

وتظهر إعلانات أخرى من الحملة نفسها وهي تتحدث عن الاتجاه نحو الأطعمة والمشروبات الأقل إشباعًا، وتصف Pepsi آنذاك بأنها مخفضة السعرات، وغير ثقيلة أو شديدة الحلاوة. 

لكن كلمة Light هنا لم تكن تقدم رقمًا غذائيًا فقط.

لقد كانت تحمل معنى بصريًا واجتماعيًا أيضًا:

خفيف.

حديث.

نشيط.

أنيق.

ملائم لشخص «عصري».

وهنا نرى كيف تستطيع كلمة واحدة في الإعلان أن تنتقل من صفة للمنتج إلى صفة لأسلوب حياة كامل.


 

والمرأة لم تظهر في الإعلان بالمصادفة

هذه نقطة تستحق التوقف عندها.

الإعلان يتحدث عن الحفلات الناجحة، والأصدقاء الجذابين والحيويين، ثم يخاطب المضيفة بصورة تجعل اختيار ما تقدمه للضيوف جزءًا من نجاح المناسبة.

بمعنى آخر:

لم تكن المرأة هنا مجرد شخص يشرب Pepsi.

إنها تختار، وتستضيف، وتقدم المنتج للآخرين.

وهذا يخبرنا بشيء عن الطريقة التي خاطبت بها الإعلانات المرأة في تلك الفترة.

فالمنتج يُربط ليس فقط بذوقها الشخصي، بل أيضًا بصورة المنزل والضيافة والمظهر والحياة الاجتماعية التي تقدمها للآخرين.


 

لكن هناك رسالة أخرى لا يمكن تجاهلها

عند قراءة الإعلان اليوم، سنلاحظ سريعًا تكرار الحديث عن المظهر والرشاقة.

النص يربط الأشخاص الجذابين والحيويين بالطعام الأخف، ويتحدث عن البقاء trim in looks and fit for fun.

وهذه ليست حالة منفردة؛ فإعلانات Pepsi أخرى من منتصف الخمسينيات استخدمت أيضًا صور الأجسام النحيفة وربطتها بالطعام والشراب الأخف وبالحياة النشطة. 

وهنا تصبح الإعلانات القديمة وثائق اجتماعية مثيرة للاهتمام.

لأنها لا تخبرنا فقط:

ماذا كانت الشركات تبيع؟

بل أيضًا:

ما الصورة التي اعتقدت الشركات أن الجمهور يريد الوصول إليها؟

في هذا الإعلان، كانت الصورة واضحة:

أن تكوني عصرية يعني أن تكوني أنيقة، نشيطة، اجتماعية، ورشيقة.

وهي رسالة يمكننا اليوم قراءتها وتحليلها، لا مجرد قبولها كما هي.


 

الإعلان يبيع «هوية» أكثر مما يشرح المنتج

لاحظي أيضًا أن الإعلان لا يقضي معظم مساحته في شرح مكونات المشروب.

المساحة الأكبر تذهب إلى:

المرأة.

ملابسها.

الحفلة.

الأصدقاء.

المظهر.

فكرة الحداثة.

ثم يدخل Pepsi باعتباره جزءًا طبيعيًا من هذا العالم.

وهذا أسلوب إعلاني ما زلنا نراه حتى اليوم.

فالعلامات التجارية كثيرًا ما لا تقول:

«اشترِ هذا المنتج لأنه يؤدي وظيفة كذا.»

بل تقول بصورة غير مباشرة:

«هذا المنتج ينتمي إلى نوع الحياة التي تريد أن تعيشها.»


 

ما الذي تغير بعد سبعين عامًا؟

تغيرت الملابس.

تغيرت أشكال العبوات.

تغيرت اللغة الإعلانية.

وتغيرت كذلك الطريقة التي نتعامل بها مع الرسائل المتعلقة بالجسم والصحة والمرأة.

لكن فكرة أساسية بقيت:

الإعلان ما زال يبيع المعنى إلى جانب المنتج.

اليوم قد تربط علامة منتجها بالاستدامة.

أو الرياضة.

أو الإبداع.

أو الحرية.

أو البساطة.

أو النجاح.

أما في هذا الإعلان، فالكلمة التي تحمل العالم كله تقريبًا كانت:

Modern.

عصري.


 

لماذا يستحق الإعلان أن نتذكره؟

ليس لأنه يخبرنا فقط كيف كانت Pepsi تُعلن عن نفسها عام 1956.

بل لأنه يسمح لنا برؤية كيف كانت الحداثة نفسها تُصوَّر.

امرأة أنيقة.

منزل وضيافة.

أصدقاء.

جسم رشيق.

طعام أخف.

ومشروب قُدِّم بوصفه مناسبًا لهذا العالم الجديد.

وبعد سبعين عامًا، يمكننا أن ننظر إلى الإعلان ونسأل:

هل كان يبيع لنا زجاجة Pepsi؟

أم كان يبيع صورة لشخص نريد أن نصبح مثله؟

والإجابة ربما تكون:

الاثنين معًا.

«الإعلانات القديمة لا تحفظ شكل المنتجات فقط… بل تحفظ أيضًا صورة الحياة التي أرادت العلامات التجارية أن نحلم بها.»

من ذاكرة الأيام ᥫ᭡
رنا الجوجري


 

نصيحة خبيرة

«عندما تشاهدين إعلانًا قديمًا، جربي ألا تسألي فقط: «ما المنتج الذي يريد مني شراءه؟» اسألي أيضًا: «ما نوع الإنسان أو الحياة التي يريدني الإعلان أن أرغب في أن أكون جزءًا منها؟» لأن المنتج قد يكون ظاهرًا في الصورة… لكن الحلم الذي يبيعه الإعلان قد يكون هو الرسالة الحقيقية. من ذاكرة الأيام ᥫ᭡ رنا الجوجري»

الخلاصة

يعود هذا الإعلان إلى حملة Pepsi في منتصف الخمسينيات، ويظهر ضمنها شعار “The Light Refreshment” وفكرة أن Pepsi «تنعش دون أن تُشعر بالامتلاء». وتظهر مصادر من الفترة نفسها استخدام الشركة لرسائل تتحدث عن انخفاض السعرات وعن الطعام والشراب الأخف. لكن الإعلان يتجاوز خصائص المشروب، فيربط Pepsi بصورة أوسع عن الحداثة: الأناقة، والرشاقة، والنشاط، والضيافة، والحياة الاجتماعية. ولهذا تكشف الإعلانات القديمة أكثر من تاريخ المنتج؛ فهي تساعدنا على فهم القيم والصور والطموحات التي استُخدمت لإقناع المستهلك في زمنها

رابط المقال للمشاركة

مقالات ذات صلة