قبل أن تبدئي الحديث في اجتماع أو مقابلة، يكون جزء من حضوركِ قد أصبح مرئيًا بالفعل. طريقة جلوسكِ، ووضع كتفيكِ، واتجاه جسمكِ، ومقدار ميلكِ نحو المتحدث، والحركات الصغيرة التي تقومين بها أثناء الاستماع؛ كلها تدخل ضمن التواصل غير اللفظي Nonverbal Communication. لكن الهدف ليس أن تحفظي «وضعية ثقة» مصطنعة. فالأبحاث لا تدعم فكرة أن لكل وضعية جسدية معنى ثابتًا. الأفضل هو الوصول إلى وضعية مريحة، متوازنة، طبيعية ومتجاوبة مع الموقف.
محتوى المقال
الجسد يتحدث… لكن ليس بقاموس ثابت
من الأخطاء الشائعة في الحديث عن لغة الجسد أن نقول:
ذراعان متقاطعان = دفاعية.
ميل للأمام = اهتمام.
ظهر مستقيم = ثقة.
الانكماش = ضعف.
العلم أكثر تعقيدًا من ذلك.
البحث الكلاسيكي لعالم النفس Albert Mehrabian تناول دور الوضعية والاتجاه الجسدي في نقل المواقف والعلاقات الاجتماعية، وهو أحد الأسس المبكرة لدراسة الـKinesics والتواصل غير اللفظي. لكنه لا يقدم «قاموسًا» يسمح بتشخيص حالة الإنسان من وضعية واحدة.
والأبحاث الحديثة في المقابلات تؤكد أن المراقبين بالفعل يستخدمون إشارات غير لفظية في تكوين انطباعاتهم، لكن هذه الإشارات تعمل مجتمعة مع تعبيرات الوجه، وحركة الرأس، والنظر، والصوت، والمظهر والسلوك العام.
إذن السؤال العلمي ليس:
«ماذا تعني هذه الوضعية دائمًا؟»
بل:
«ما الانطباع الذي قد تسهم هذه الوضعية في تكوينه عندما تجتمع مع بقية سلوكي؟»
وهذا فرق مهم جدًا.
هل طريقة جلوسكِ تؤثر فعلًا في المقابلات؟
نعم، التواصل غير اللفظي يمكن أن يؤثر في تقييم المرشح.
في تحليل تلوي حديث نشر في Journal of Organizational Behavior وجمع نتائج 63 دراسة شملت 4,868 مشاركًا، وجد الباحثون أن الإشارات غير اللفظية ترتبط بتقييم الأداء في مقابلات العمل. ومن أقوى الارتباطات التي ظهرت: المظهر المهني، والتواصل البصري، وحركة الرأس.
وهذا مهم لأنه يصحح فكرة منتشرة:
الجلوس وحده ليس العامل السحري.
لا توجد وضعية واحدة تضمن أن يراكِ الآخرون واثقة أو محترفة.
بل إن الصورة الكلية للسلوك غير اللفظي هي التي تدخل في تكوين الانطباع.
وفي دراسة أقدم لـ McGovern وTinsley عُرضت مقابلات عمل كان المحتوى اللفظي فيها متطابقًا، بينما تغير السلوك غير اللفظي. وأثرت هذه الاختلافات في معظم تقييمات المقابلين.
إذن كيف نجلس؟
هنا من المفيد أن نفصل بين أمرين:
الوضعية المريحة والصحية للجسم
و
الصورة الاجتماعية التي نريد تقديمها.
بالنسبة إلى الأولى، تقدم Occupational Safety and Health Administration – OSHA إرشادات واضحة لما تسميه Neutral Body Positioning.
في وضعية الجلوس المحايدة يكون الرأس متزنًا ومتوافقًا تقريبًا مع الجذع، والكتفان مسترخيين، والذراعان في وضع طبيعي، والظهر مدعومًا، والفخذان مدعومين، والقدمان مستندتين بالكامل إلى الأرض أو إلى مسند للقدمين.
وهذه نقطة مهمة جدًا للمدونة:
الحضور الجيد لا يعني أن تجلسي متصلبة.
الجلوس المستقيم لا يعني:
ظهرًا مشدودًا بقوة،
كتفين مرفوعين،
صدرًا مدفوعًا إلى الأمام،
أو بقاء الجسم ثابتًا بلا حركة.
OSHA نفسها توصي بتغيير الوضعية وعدم البقاء في الوضع نفسه فترات طويلة، حتى لو كانت الوضعية جيدة.
إذن:
التوازن أفضل من التصلب.
الكتفان: الاستقامة ليست شدًّا
أحد أكثر الأخطاء شيوعًا عند محاولة الظهور بثقة هو دفع الكتفين إلى الخلف بقوة.
لكن التوجيهات المريحة للجسم مختلفة.
OSHA توصي بأن يكون الكتفان مسترخيين، والذراعان العلويان في وضع طبيعي بجوار الجسم.
لذلك لا تحتاجين إلى «وضعية عسكرية» في مقابلة العمل.
جربي بدلًا منها:
ارفعي كتفيكِ قليلًا،
ثم اتركيهما ينخفضان طبيعيًا،
واجعلي الرأس متزنًا فوق الجذع.
ستحصلين غالبًا على وضعية أكثر راحة وطبيعية من محاولة سحب الكتفين إلى الخلف طوال الوقت.
القدم ليست تفصيلة لا يراها أحد
حتى إذا كان الجزء السفلي من جسمكِ تحت الطاولة، فإن استقرار القدمين يؤثر في راحتكِ ووضعية الجسم كله.
وفق إرشادات OSHA، ينبغي أن تكون القدمان مدعومتين بالكامل بالأرض، أو باستخدام Footrest عندما لا يسمح ارتفاع الكرسي بذلك. كما ينبغي أن يحصل الظهر والفخذان على دعم مناسب.
في الاجتماع أو المقابلة، الفكرة ليست أن تضعي قدميكِ في «وضعية بروتوكولية» جامدة.
الفكرة أن تكون لديكِ قاعدة مستقرة ومريحة.
فالكرسي المرتفع جدًا الذي يترك القدمين بلا دعم قد يدفع الشخص إلى التحرك للأمام ويفقد الظهر دعمه، وهو ما تشير إليه OSHA ضمن مخاطر تصميم الكرسي غير المناسب.
هل الميل إلى الأمام يدل على الاهتمام؟
هنا نحتاج إلى دقة.
الميل بالجسم جزء من التواصل غير اللفظي، وهناك تاريخ بحثي طويل يدرس العلاقة بين Body Lean والتفاعل الاجتماعي. وأظهرت دراسات أن تغير ميل الجسم يمكن أن يؤثر في السلوك المتبادل أثناء المقابلة.
لكن لا يصح أن نقول:
«ميلي للأمام وسيعرف الطرف الآخر أنكِ مهتمة.»
فالزاوية، والمسافة، والسياق، وعلاقة الأشخاص ببعضهم كلها عوامل مهمة.
عمليًا، يمكن استخدام ميل خفيف وطبيعي في لحظات الاستماع أو التفاعل، ثم العودة إلى وضعية محايدة.
المهم ألا يتحول الميل إلى:
الاقتراب الشديد من الشخص،
أو الانحناء المستمر فوق الطاولة،
أو وضعية تبدو متكلفة.
الحضور المتفاعل ليس وضعية ثابتة.
الجسم الطبيعي يتحرك مع الحوار.
والانكماش؟
عندما نجلس وكتفانا منحدران إلى الداخل، والرأس منخفض، والجسم يحتل مساحة صغيرة جدًا، فقد تصبح الصورة العامة أقل انفتاحًا.
لكن يجب ألا نحول هذا إلى تشخيص.
لا نستطيع أن نقول عن امرأة تجلس منكمشة:
«هي غير واثقة.»
قد تكون متعبة.
قد يكون الكرسي غير مريح.
قد تشعر بالبرد.
قد تكون الوضعية عادة جسدية.
وقد توجد أسباب صحية أو جسدية تؤثر في طريقة جلوس الشخص.
لذلك نفرق دائمًا بين:
السلوك الذي يمكن ملاحظته
و
الحالة النفسية التي لا يمكننا معرفتها من الوضعية وحدها.
وهذه قاعدة مهمة في أي محتوى علمي مسؤول عن لغة الجسد.
وهل «التمدد» يعني الثقة؟
ليس بالضرورة.
انتشرت لسنوات فكرة Power Posing؛ أي أن اتخاذ وضعيات جسدية واسعة أو «قوية» يمكن أن يغير الحالة النفسية أو النتائج المهنية.
وقد وجدت إحدى الدراسات المنشورة عام 2015 أن اتخاذ وضعيات واسعة قبل مقابلة تجريبية ارتبط بأداء أفضل عبر ما وصفه الباحثون بالحضور غير اللفظي.
لكن لا ينبغي تحويل هذه النتيجة إلى قاعدة مثل:
«احتلي مساحة أكبر وستصبحين أكثر ثقة.»
فهذه الأدبيات شهدت نقاشًا علميًا واسعًا حول قوة بعض التأثيرات وقابليتها للتكرار، كما أن التمدد أثناء التفاعل نفسه يختلف عن اتخاذ وضعية تحضيرية قبل المقابلة.
لذلك لن نبني توصيتنا على Power Pose.
في الاجتماع، الأفضل هو:
مساحة طبيعية تناسب جسمكِ والمكان.
لا انكماشًا متعمدًا…
ولا تمددًا مبالغًا فيه.
ماذا عن الذراعين؟
أيضًا لا نريد القاعدة الشعبية:
«لا تعقدي ذراعيكِ لأن هذا يعني أنكِ دفاعية.»
لا يوجد أساس علمي كافٍ لقراءة الحركة بهذه البساطة.
قد يعقد الإنسان ذراعيه لأنه مرتاح بهذه الطريقة، أو لأن المكان بارد، أو لأنه لا توجد طاولة يضع عليها يديه.
الأفضل في المقابلات والاجتماعات أن نفكر في وظيفة اليدين بدل محاولة مراقبة كل حركة.
يمكن أن تستريح اليدان طبيعيًا:
على الفخذين،
أو على الطاولة إذا كانت موجودة،
مع السماح بإيماءات طبيعية أثناء الحديث.
المشكلة ليست «حركة ممنوعة».
المشكلة عندما تصبح الحركة متكررة أو مشتتة لدرجة أنها تنافس الكلام على انتباه الطرف الآخر.
الاستماع له وضعية أيضًا
حضوركِ لا يظهر فقط عندما تتكلمين.
بل ربما يظهر بصورة أوضح عندما يتحدث شخص آخر.
في دراسة حديثة عن السلوك غير اللفظي في مقابلات الاختيار، تناول الباحثان Marie-Eve Tescari وAdrian Bangerter كيف تسهم مجموعة من الإشارات الدقيقة والانطباعات العامة — مثل الانتباه والحماس والمهنية — في تقييم المرشح.
لذلك أثناء الاستماع:
لا تحتاجين إلى تثبيت وجهكِ.
ولا إلى هز رأسكِ مع كل جملة.
ولا إلى الابتسام باستمرار.
يكفي أن يكون جسمكِ موجهًا بصورة طبيعية نحو التفاعل، وأن تتوافق تعبيراتكِ واستجابتكِ مع ما يحدث فعلًا.
الطاولة تغيّر طريقة الجلوس
هناك فرق بين:
مقابلة على كرسيين متقابلين،
واجتماع حول طاولة،
واجتماع عبر الفيديو.
إذا كانت هناك طاولة، لا تحتاجين إلى الالتصاق بها أو الابتعاد عنها كثيرًا.
اختاري مسافة تسمح:
للظهر بأن يبقى في وضع مريح،
وللذراعين بالحركة الطبيعية،
ولكِ بالكتابة أو استخدام الكمبيوتر دون الانحناء المستمر إلى الأمام.
وهنا يصبح الجانب الصحي للحضور مهمًا جدًا.
فـOSHA توصي بأن يبقى الرأس متزنًا، والكتفان مسترخيين، والمرفقان قريبين نسبيًا من الجسم في العمل المكتبي.
في مقابلة العمل تحديدًا
من المفيد قبل بدء المقابلة أن تقومي بفحص سريع لا يستغرق أكثر من ثوانٍ:
هل قدماي مدعومتان؟
هل كتفاي مسترخيان؟
هل ظهري مدعوم دون أن أتكئ للخلف بصورة مبالغ فيها؟
هل رأسي متزن بدل أن يكون منخفضًا طوال الوقت؟
هل يداي في وضع طبيعي؟
ثم توقفي عن مراقبة جسمكِ.
هذه الخطوة الأخيرة مهمة.
لأن الهدف من الوضعية الجيدة هو أن تساعدكِ على التواصل، لا أن تجعلكِ تقضين المقابلة كلها تفكرين:
أين يدي؟ كيف كتفي؟ هل جلستي صحيحة؟
بعد الضبط الأولي، أعيدي انتباهكِ إلى الإنسان الذي أمامكِ والمحادثة نفسها.
وفي الاجتماع؟
الاجتماع أطول وأكثر ديناميكية.
لذلك لا تحاولي الاحتفاظ بوضعية واحدة طوال الوقت.
عندما تستمعين، قد يميل الجسم قليلًا.
عندما تكتبين، سيتغير موضعكِ.
عندما تعودين إلى الاستماع، تعودين إلى وضع أكثر حيادًا.
وهذا يتفق أيضًا مع إرشادات OSHA الصحية التي تؤكد أهمية تغيير وضعية الجسم دوريًا بدل الثبات في الوضع نفسه.
ماذا عن مقابلات الفيديو؟
هنا تظهر مشكلة مختلفة.
قد تكون جلستكِ ممتازة، لكن إطار الكاميرا يجعلها غير مرئية أصلًا.
وتشير دراسة منشورة عام 2026 حول المقابلات عبر التقنية إلى أن توسيع إطار الصورة من الرأس والكتفين إلى الرأس والركبتين زاد كمية المعلومات غير اللفظية الجسدية التي يستطيع المقيّم رؤيتها، لكنه لم يجعل هذه المعلومات بالضرورة أكثر فائدة في التقييم.
وهذه نتيجة مهمة:
المزيد من الجسد الظاهر لا يعني تلقائيًا تواصلًا أفضل.
في مقابلة الفيديو ركزي على إطار مريح، وكاميرا مستقرة، ورأس وجذع ظاهرين بصورة طبيعية، بدل محاولة إظهار الجسم كله لإثبات «لغة جسد قوية».
تمرين عملي: شاهدي نفسكِ بلا صوت
هناك طريقة مفيدة جدًا لهذا الموضوع.
سجلي دقيقة واحدة وأنتِ تجيبين عن سؤال مثل:
«حدثيني عن نفسكِ.»
ثم شاهدي التسجيل من دون صوت.
لا تسألي:
«هل أبدو واثقة؟»
لأن السؤال واسع وذاتي جدًا.
اسألي أسئلة يمكن ملاحظتها:
هل كتفاي مسترخيان أم مرفوعان طوال الوقت؟
هل أنحني إلى الأمام باستمرار؟
هل أتحرك كثيرًا في الكرسي؟
هل يداي تتحركان طبيعيًا أم تعبثان بشيء باستمرار؟
هل جسمي موجه نحو المحادثة؟
هل جلستي تبدو مريحة أم أنني أحاول المحافظة على وضعية مصطنعة؟
ثم شاهدي الفيديو مرة أخرى بالصوت.
هنا ستعرفين ما إذا كانت الحركة تدعم كلامكِ أم تنافسه.
لا نريد «جلسة ثقة»… نريد جلسة حضور
وهذه ربما أهم فكرة في المدونة.
لسنا بحاجة إلى تعليم المرأة كيف تبدو أكبر، أو أكثر سيطرة، أو كيف «تحتل المكان».
ولا نريد أن نجعل الجلوس اختبارًا جديدًا تراقب فيه نفسها طوال الوقت.
الحضور المهني الأكثر قابلية للدفاع عنه علميًا هو:
جسم متوازن،
كتفان مسترخيان،
قاعدة جلوس مستقرة،
حركة طبيعية،
وانتباه حقيقي لما يحدث أمامكِ.
لأن التواصل غير اللفظي مهم بالفعل في الانطباعات المهنية، لكن الأبحاث لا تقول إن هناك وضعية سحرية واحدة تصنع الحضور. والتحليل التلوي الحديث للمقابلات يؤكد أن التأثير يأتي من مجموعة أوسع من الإشارات غير اللفظية وليس من طريقة الجلوس وحدها.
«الحضور لا يعني أن تجلسي في وضعية مثالية لا تتحرك… بل أن يكون جسدكِ مرتاحًا ومتزنًا بما يكفي حتى لا ينافس رسالتكِ، بل يساعدها على الوصول.»
صورتكِ وحضوركِ… حضورٌ يبدأ من الوعي، لا من التصنّع ᥫ᭡
رنا الجوجري
نصيحة خبيرة
«قبل أن يبدأ الاجتماع أو المقابلة، امنحي نفسكِ خمس ثوانٍ فقط واسألي: «هل قدماي مستقرتان؟ هل كتفاي مسترخيان؟ هل ظهري مدعوم؟ وهل جلستي تسمح لي بالتركيز على الشخص أمامي بدل التفكير في جسدي؟» اضبطي وضعيتكِ مرة واحدة… ثم انقلي انتباهكِ من شكل جلستكِ إلى جودة حضوركِ. فأفضل وضعية ليست التي تجعلكِ تبدين وكأنكِ تدربتِ على لغة الجسد… بل التي تساعدكِ على الاستماع والتفكير والتحدث بصورة طبيعية. صورتكِ وحضوركِ ᥫ᭡ رنا الجوجري»
الخلاصة
طريقة الجلوس جزء من التواصل غير اللفظي، ويمكن للإشارات غير اللفظية أن تسهم في الانطباعات التي تتكون في الاجتماعات ومقابلات العمل. ويشير تحليل تلوي شمل 63 دراسة و4,868 مشاركًا إلى ارتباط عدد من الإشارات غير اللفظية بتقييم الأداء في مقابلات العمل، لكن الأبحاث لا تدعم اختزال الحضور في وضعية واحدة أو تفسير حركة جسدية منفردة بمعنى نفسي ثابت. عمليًا، توصي OSHA بوضعية جلوس محايدة يكون فيها الرأس متزنًا، والكتفان مسترخيين، والظهر مدعومًا، والقدمان على الأرض أو على مسند مناسب، مع تغيير الوضعية دوريًا. وفي المواقف المهنية، الأفضل الجمع بين هذا التوازن الجسدي وبين حركة طبيعية وانتباه حقيقي للطرف الآخر، بدل محاولة أداء «جلسة ثقة» مصطنعة.