العودة للمقالات
16 سبتمبر 2026 5 دقائق قراءة 44 من ذاكرة الأيام

الدونات في منتصف القرن العشرين… عندما كانت الصورة الشهية تبيع أكثر من مجرد حلوي

ر

رنا الجوجري

خبيرة الصورة الشخصية والإتيكيت

الدونات في منتصف القرن العشرين… عندما كانت الصورة الشهية تبيع أكثر من مجرد حلوي

طبق زجاجي ممتلئ بالدونات، أنواع مختلفة، ألوان هادئة، وعنوان يقول ببساطة: “Take Two… they’re terrific!” في هذا الإعلان القديم لـ Jane Parker Donuts نرى كيف كانت A&P تستخدم علامتها الخاصة بالمخبوزات لتجعل منتجًا يوميًا يبدو كمتعة لا تكفي منها قطعة واحدة. لكن خلف صورة الدونات الشهية توجد قصة أكبر عن السوبرماركت، والعلامة التجارية الخاصة، ومجلة Woman’s Day، وطريقة تسويق الطعام للمرأة والأسرة في منتصف القرن العشرين.

محتوى المقال

الدونات في منتصف القرن العشرين… عندما كانت الصورة الشهية تبيع أكثر من مجرد حلوى

أول شيء تراه العين ليس الاسم.

ولا السعر.

ولا حتى شعار A&P.

إنه الدونات نفسها.

كمية كبيرة، قريبة جدًا من الكاميرا، بعضها مغطى بالسكر، وبعضها مزجج، وفي الأسفل دونات محشوة بالمربى تظهر الحشوة الحمراء بوضوح.

ثم يأتي العنوان:

“Take Two… they’re terrific!”

أي تقريبًا:

«خذي اثنتين… إنهما رائعتان!»

ومن البداية، لا يحاول الإعلان إقناعنا بأننا نحتاج الدونات.

إنه يحاول أن يجعلنا نرغب فيها.


 

عندما كان المنتج نفسه هو بطل الصورة

الإعلانات الغذائية الحديثة قد تعتمد على أشخاص، أو قصة، أو فيديو، أو تجربة كاملة حول المنتج.

لكن هذا الإعلان يتبع منطقًا أكثر مباشرة:

اجعلي الطعام يبدو لذيذًا بما يكفي… ودعي الصورة تقوم بالباقي.

الدونات تحتل معظم الصفحة.

حتى الأوصاف قصيرة وحسية:

الدونات المزججة توصف بالخفة،
ودونات الجيلي توصف بأنها خفيفة ومحشوة بسخاء.

فاللغة لا تشرح مكونات المنتج بالتفصيل.

بل تستخدم كلمات تجعل القارئة تتخيل القوام والطعم.

وهذه واحدة من أقدم وأبسط استراتيجيات الإعلان عن الطعام:

لا تقولي فقط ماذا تبيعين… اجعلي القارئ يتخيل كيف سيكون شعوره عند تناوله.


 

ومن هي Jane Parker أصلًا؟

هذه نقطة تاريخية مهمة.

Jane Parker لم تكن مخبزًا مستقلًا عن A&P، بل كانت علامة A&P الخاصة بالمخبوزات.

ويحتفظ Smithsonian National Museum of American History بكتاب إعلاني لـJane Parker يعود إلى 1947، ويصفها بوضوح بأنها العلامة المنزلية House Brand لسلسلة A&P، وكانت بعض منتجاتها تُخبز بواسطة خبازي Jane Parker العاملين لصالح المتاجر. 

وهذا يجعل الإعلان مثالًا مبكرًا مهمًا لما نسميه اليوم:

Private Label — العلامة التجارية الخاصة بالمتجر.

بدل أن يكتفي السوبرماركت ببيع علامات الآخرين، كان يمتلك أسماء ومنتجات خاصة به يستطيع التحكم في إنتاجها وتسويقها داخل متاجره.

وكان Jane Parker أحد الأسماء البارزة في قسم المخبوزات لدى A&P. كما توسعت A&P في التصنيع والمخابز ضمن نموذج أعمال متكامل، وكانت علاماتها الخاصة جزءًا مهمًا من استراتيجيتها التجارية. 


 

لاحظي عبارة صغيرة في أسفل الإعلان

في أسفل الصفحة نجد:

“Sold at all A&P Food Stores”

أي أن الإعلان لا يكتفي بإخبار القارئة عن المنتج.

بل يخبرها فورًا أين تحصل عليه.

وهنا ترتبط الصورة الجميلة مباشرة بفعل الشراء:

ترين الدونات في المجلة…

ثم تجدينها في المتجر الذي تزورينه بالفعل.

وهذا يصبح أكثر إثارة عندما نعرف العلاقة بين A&P وWoman’s Day.


 

المجلة والمتجر والمنتج… في منظومة واحدة

ظهرت Woman’s Day في الثلاثينيات مرتبطة بـA&P، وكانت تُباع من خلال متاجر السلسلة. وفي تقرير معاصر من TIME عام 1937، وُصفت المجلة بأنها مشروع لـA&P يركز على المحتوى المنزلي والطعام وكيفية استخدام المنتجات التي تشتريها النساء. 

وبحلول الخمسينيات أصبحت المجلة واسعة الانتشار داخل شبكة متاجر A&P، قبل أن تبيع الشركة المجلة لاحقًا في 1958. 

تخيلي قوة هذا النموذج في ذلك الوقت:

المتجر يملك المنتج.
والمجلة تصل إلى عميلة المتجر.
والإعلان يعرض المنتج.
ثم تستطيع القارئة شراءه في المكان نفسه.

اليوم قد نسمي هذا تكاملًا بين المحتوى والتجارة والعلامة التجارية.

لكن الفكرة كانت تعمل قبل ظهور الإنترنت بعقود.


 

«أكثر من ثلاثة ملايين يوميًا»… لكن انتبهي

هناك عبارة لافتة جدًا في الإعلان.

النص يقول إنهم يبيعون:

أكثر من ثلاثة ملايين دونات كل يوم.

لكن من المهم عند قراءة إعلان تاريخي أن نفرق بين:

ما يقوله الإعلان عن نفسه

و

ما نستطيع إثباته من مصدر مستقل.

لم أجد مصدرًا موثوقًا مستقلًا يؤكد هذا الرقم تحديدًا، لذلك نتعامل معه كما هو:

ادعاء تسويقي ورد داخل الإعلان نفسه، وليس رقمًا تاريخيًا تحققنا منه بصورة مستقلة.

وهذه في حد ذاتها مهارة جميلة عند قراءة الإعلانات القديمة.

فالإعلان وثيقة تاريخية ممتازة لمعرفة كيف أرادت الشركة أن تقدم نفسها، لكنه ليس دائمًا مصدرًا محايدًا لإثبات كل ادعاءاته.


 

ولماذا «خذي اثنتين»؟

العنوان ذكي جدًا.

لم يقل:

اشتري الدونات.

قال:

Take Two.

أي أن الإعلان بدأ من افتراض أن قطعة واحدة لن تكفي.

ثم يدعم النص الفكرة نفسها بعبارة معناها:

«قطعة واحدة من Jane Parker لا تكفي أبدًا.»

هذه ليست معلومة عن المنتج.

إنها طريقة لصناعة رغبة في المزيد.

فالكمية نفسها أصبحت جزءًا من الرسالة:

طبق ممتلئ،
دونات كثيرة،
وأمر لطيف بأن نأخذ اثنتين.

الإعلان لا يقدم الحلوى كشيء نادر نقتصد فيه…

بل كمتعة وفيرة يمكن الاستمتاع بها.


 

حتى أنواع الدونات تخدم الفكرة

لاحظي أن الإعلان لا يعرض نوعًا واحدًا.

هناك:

Glazed Donuts — دونات مزججة

و

Jelly Donuts — دونات محشوة بالمربى

ثم نرى أشكالًا أخرى في الوعاء الرئيسي.

فالتنوع نفسه يصنع سؤالًا في ذهن المستهلك:

أي واحدة سأختار؟

بدل:

هل سأشتري أم لا؟

وهذا تحول تسويقي صغير لكنه ذكي.

عندما يصبح الاختيار بين النكهات هو السؤال، تكون العلامة قد اقتربت خطوة من قرار الشراء بالفعل.


 

صورة الطعام أيضًا تحكي عن زمنها

الإعلان لا يستخدم تصوير الطعام بالطريقة شديدة الواقعية التي نعرفها حاليًا.

الألوان ناعمة.

الخلفية شبه خالية.

التكوين مرتب جدًا.

والوعاء الزجاجي يجعل كمية الدونات واضحة ومغرية من دون عناصر كثيرة حولها.

إنها لغة إعلانية من زمن آخر:

المنتج كبير،
الشعار واضح،
الوصف قصير،
والصفحة كلها تقريبًا تقول شيئًا واحدًا.

هذه الدونات شهية… ويجب أن تجربيها.


 

ومن إعلان بسيط نصل إلى قصة أكبر

قد نرى اليوم صفحة قديمة للدونات ونظن أنها مجرد إعلان لطيف.

لكن عند قراءتها بتأنٍّ نرى داخلها:

تاريخ السوبرماركت الأمريكي.

ظهور العلامات التجارية الخاصة.

العلاقة بين المجلات ومتاجر التجزئة.

كيفية مخاطبة المرأة بوصفها متخذة قرار شراء الطعام للأسرة.

وتحول الطعام اليومي إلى منتج له اسم وهوية وصورة إعلانية خاصة به.

ولهذا أحب الإعلانات القديمة.

فهي لا تقول لنا فقط:

ماذا كان الناس يشترون؟

بل تساعدنا أيضًا على فهم:

كيف كانت الشركات تعلم الناس أن يرغبوا فيما يشترونه.

«الإعلانات القديمة لا تحفظ لنا شكل المنتجات فقط… بل تحفظ أيضًا اللغة والصور التي كانت تستخدمها العلامات التجارية لتحول شيئًا يوميًا إلى شيء نشتهيه.»

من ذاكرة الأيام ᥫ᭡
رنا الجوجري


 

نصيحة خبيرة

«عندما تشاهدين إعلانًا غذائيًا قديمًا، لا تسألي فقط: «ماذا يبيعون؟» اسألي أيضًا: «كيف يحاولون جعلي أشتهي المنتج قبل أن أتذوقه؟» انظري إلى الحجم، واللون، والكمية، والكلمات، وما الذي وضعوه في مركز الصورة. ستجدين أن الإعلان يخبركِ أحيانًا عن علم البيع في زمنه بقدر ما يخبركِ عن الطعام نفسه. من ذاكرة الأيام ᥫ᭡ رنا الجوجري»

الخلاصة

كان Jane Parker اسمًا تستخدمه A&P لعلامتها الخاصة بالمخبوزات، وهو أمر موثق في أرشيف Smithsonian National Museum of American History. ويكشف إعلان الدونات المرفق كيف اجتمعت الصورة الشهية، ووصف القوام، وتعدد الأنواع، وفكرة الوفرة مع شبكة متاجر A&P لتسويق منتج بسيط باعتباره متعة يصعب الاكتفاء منها بواحدة. كما يذكرنا الإعلان بأهمية الفصل بين الادعاءات التسويقية الواردة في الإعلان وبين الحقائق التي تؤكدها مصادر مستقلة.

رابط المقال للمشاركة

مقالات ذات صلة